ابن كثير

216

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ قال : يقولون قلوبنا غلف مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره . وقال عطية العوفي عن ابن عباس وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ أي أوعية للعلم ، وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيها ، حكاه ابن جرير « 1 » . وقالوا : قلوبنا غلف ، بضم اللام ، نقلها الزمخشري ، أي جمع غلاف ، أي أوعية ، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر كما كانوا يفتون بعلم التوراة ، ولهذا قال تعالى : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ أي ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها ، كما قال في سورة النساء : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 155 ] وقد اختلفوا في معنى قوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ وقوله : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * [ النساء : 46 ] فقال بعضهم : فقليل من يؤمن منهم ، وقيل : فقليل إيمانهم بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب ، ولكنه إيمان لا ينفعهم لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال بعضهم : إنما كانوا غير مؤمنين بشيء ، وإنما قال : فقليلا ما يؤمنون وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : قلما رأيت مثل هذا قط ، تريد ما رأيت مثل هذا قط ، وقال الكسائي : تقول العرب : من زنى بأرض قلما تنبت ، أي لا تنبت شيئا ، حكاه ابن جرير « 2 » رحمه اللّه ، واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 89 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) يقول تعالى : وَلَمَّا جاءَهُمْ ، يعني اليهود ، كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يعني من التوراة ، وقوله وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم يقولون : إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمرو ، عن قتادة الأنصاري ، عن أشياخ منهم ، قال : فينا واللّه وفيهم ، يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة يعني : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ قالوا : كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ، ونحن أهل شرك ، وهم أهل كتاب ، وهم يقولون : إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما بعث اللّه رسوله من قريش واتبعناه كفروا به . يقول اللّه تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 452 . ( 2 ) الطبري 1 / 454 .